النويري
77
نهاية الأرب في فنون الأدب
ذكر ما قيل في الأناة والرويّة كانت العرب تحمد الأناة في الرأي وإجالة الفكرة فيه وعدم التسرّع . وكان عبد اللَّه بن وهب الرّاسبىّ [ 1 ] يقول : إيّاى والرأي الفطير [ 2 ] ! وكان يستعيذ [ باللَّه [ 3 ] ] من الرأي الدّبرىّ ؛ وهو الذي يسنح بعد الفوت . وأوصى إبراهيم بن هبيرة ولده فقال : لا تكن أوّل مشير ، وإيّاك والرأي الفطير ؛ ولا تشيرنّ على مستبدّ ، فإنّ التماس موافقته لؤم والاستماع منه خيانة . وكان عامر بن الظَّرب حكيم العرب يقول : دعوا الرأي يغبّ حتّى يختمر ، وإيّاكم والرأي الفطير ! يريد الأناة في الرأي والتثبّت فيه . قال شاعر : تأنّ وشاور فإنّ الأمو ر منها مضىء ومستغمض فرأيان أفضل من واحد ورأى الثلاثة لا ينقض وقال آخر : الرأي كاللَّيل مسودّ جوانبه والليل لا ينجلى إلا بإصباح فاضمم مصابيح آراء الرّجال إلى مصباح رأيك تزدد ضوء مصباح وقال المتنبّى : الرأي قبل شجاعة الشّجعان هو أوّل وهى المحلّ الثاني فإذا هما اجتمعا لنفس حرّة [ 4 ] بلغت من العلياء كلّ مكان وقال طاهر بن الحسين : اعمل صوابا تنل بالحزم مأثرة فلن يذمّ لأهل الحزم تدبير
--> [ 1 ] في الأصل « الرياشي » والتصويب عن الطبري ( ص 2478 من القسم الأوّل ) ، والكامل للمبرد ( ص 543 ) ؛ والعقد الفريد ( ج 1 ص 25 ) . [ 2 ] الرأي الفطير : الذي أعجل به قبل أن يختمر . [ 3 ] زيادة عن العقد الفريد ( ج 1 ص 25 ) . [ 4 ] كذا في ديوان المتنبي وفى الأصل « لنفس مرة » .